القرطبي

301

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وقوله تعالى : إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ) أي لو ركنت لأذقناك مثلي عذاب الحياة في الدنيا ومثلى عذاب الممات في الآخرة ، قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما . وهذا غاية الوعيد . وكلما كانت الدرجة أعلى كان العذاب عند المخالقة أعظم . قال الله تعالى : " يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ( 1 ) " وضعف الشئ مثله مرتين ، وقد يكون الضعف النصيب ، كقوله عز وجل : " لكل ضعف " أي نصيب . وقد تقدم في الأعراف . ( 2 ) . قوله تعالى : وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلفك إلا قليلا ( 76 ) هذه الآية قيل إنها مدنية ، حسبما تقدم في أول السورة . قال ابن عباس : حسدت اليهود مقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقالوا : إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام ، فإن كنت نبيا فالحق بها ، فإنك إن خرجت إليها صدقناك وآمنا بك ، فوقع ذلك في قلبه لما يحب من إسلامهم ، فرحل من المدينة على مرحلة فأنزل الله هذه الآية . وقال عبد الرحمن بن غنم : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك لا يريد إلا الشام ، فلما نزل تبوك نزل ( وإن كانوا ليستفزونك من الأرض ) بعد ما ختمت السورة ، وأمر بالرجوع . وقيل : إنها مكية . قال مجاهد وقتادة : نزلت في هم أهل مكة بإخراجه ، ولو أخرجوه لما أمهلوا ولكن الله أمره بالهجرة فخرج ، وهذا أصح ، لان السورة مكية ، ولأن ما قبلها خبر عن أهل مكة ، ولم يجر لليهود ذكر . وقول : " من الأرض " يريد أرض مكة . كقوله : " فلن أبرح الأرض ( 3 ) " أي أرض مصر ، دليله " وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ( 4 ) " يعنى مكة . معناه : هم أهلها بإخراجه ، فلهذا أضاف إليها ( 5 ) وقال " أخرجتك " . وقيل : هم الكفار كلهم أن يستخفوه من أرض العرب بتظاهرهم عليه فمنعه الله ، ولو أخرجوه

--> ( 1 ) راجع ج 14 ص 173 . ( 2 ) راجع ج 7 ص 205 . ( 3 ) راجع ج 9 ص 241 فما بعد . ( 4 ) راجع ج 16 ص 235 . ( 5 ) في الأصول : " إليهم " وهو تحريف .